top of page

عن قلب الأعين في المظاهرات ضدّ الأنقلاب القضائيّ | هداس بودسكو


أنا لست مولعة من الأعلام بشكل عام - لا من أعلام إسرائيل ولا من أعلام فلسطين، لا بأرفزيون ولا بالمونديال.

لكن الأعلام المنتشرة في الشوارع في الأشهر الأخيرة تريد أن تخبرنا شيء: الأمر الذي اخرج الجمع الغفير للشوارع متعلّق لما يرمز اليه العلم- لهويّة- كل ما يتخيله الشعب كَ"ْإسرائيليّ" موجود في خطر. هذا الأمر يدفعني، ويدفع العديد من الناشطين\ات سياسيّن لقلب أعينهم.


التمسّك في العلم وفي إعلان الاستقلال يدل على تأثير مانديلا الذي يبدو أنه يسود بين الكثير من الشعب -ذاكرة عن دولة اسرائيل أخرى- ديموقراطيّة حقيقيّة، متقدّمة، تحترم حقوق الإنسان والمساواة. هؤلاء الأشخاص مستعدين\ات للتعرض للضرب والتوقيف من أجل المحاربة على اسرائيل تلك، التي لم تكن موجودة قط.

المظاهرة الأولى التي شاركت بها في الموجة الأخيرة بدأت في ميدان "البيما". بين حشود المتظاهرين\ات وجدتُ دائرة المطبّلات\ين . داخل أنفاق من الأزرق-والأبيض طبّلنا وصرّخنا سويًّا من أجل مسافر يطا، الشيخ جرًاح، أسكان عام وتعليم. قام القليل برفع أعلام فلسطين - فعل في الغالب سيؤدي إلى انفجار، خاصّة بعد قرار وزير الأمن القوميّ، ايتمار بن غفير، بفرض حظر على رفع علم فلسطين في العلن. دخل إلى دائرة المطبّلات شابًّا يحمل علمًا، حيث كان هاربًا من رجلين غاضبينحاولا نزع العلم منه بالقوّة، وتمسًك في قرون مذبح دائرتنا.


تصوي: ميخال شومير


بعد أيام عديدة، خلال محادثة في صالون المطبّلات، قمنا بمناقشة اختيارنا في تلك اللحظة - أن نكون أو لا نكون المذبح. حينها أكتشفت أن الرجال العنيفين لم يكونوا، مثل ما اعتقدت حينها، مارّون غاضبون من المظاهرة، بل اثنين من المتظاهرين.


العديد من التفاعلات في المظاهرة تدل على أن الحضور الفلسطينيّ غيرمرحّب وبل أنه غير مرغوب فيه. حتى بعد تعرّض المتظاهرين\ات اليهود العلمانيين في مركز تل-أبيب الى كل أنواع الاضطهاد الذي كان مكرّسًا في العقود السابقة لاحتلال عنيف، ما زالوا غير معنيّين لتوجيه النظر له. من الصعب عدم تقليب العيون عند سماع الهتاف للدي-مو-قر-طية الذي في رعايتها أقليات - ليس فقط فلسطينيّون- أيضا اثيوبين، متدينين، طالبي ملجأ والعديد العديد من السكان يعانون من عنف ممنهج من قبل الشرطة دون أن يرف جفن لأحد.

للأسف الشديد أواجه أيضًا في دوائر اليسار صعوبة في إيجاد مواساة. أرى أصدقائي\صديقاتي الناشطين\ات الذين يتواجدون كل أسبوع في مظاهرات في الشيخ جرّاح، على مرّ السنين يناضلون من أجل ديموقراطية حقيقيّة في إسرائيل وفلسطين، يقلبون أعينهم في هذه اللحظات التي نعيشها الآن، ينصرفون باكرًا، يلقبون المتظاهرين بأنهم صاحيين- صهيونيين ويحلون جميع التناقضات بينهم في تلقيبهم بال- "فاشيين\ات. الكلمة "مستوطن" في البلاغة اليساريّة تحوّلت إلى كلمة ازدراء التي ترفض النظر إلى الأشخاص الذين يعيشون في المستوطنات على أنهم بني أدمين معقّدين. هذا أمرٌ يسبب ليّ المغص، وأيضًا وضع مخجل بالنسبة لي. أشعر مرّةً أخرى أني في الجانب الذي يكره جانبًا آخر، لأن ظروف الحياة دفعتنا إلى أن نكون على جانبين متضادين من السياج.


تصوي: فاينا فيجين, ٢٠٢٣


في المظاهرة الاخيرة خارج الكنيست خلال القراءة الأوليّة للقوانين الجديدة للانقلاب القضائيّ. لقد شعرت بالعداء والخوف. القدس متوترة أكثر من تل-أبيب، ونحن في طريقنا للمظاهرة رأينا مجموعات من الأشخاص يتجادلون ويتقاتلون بشراسة في الشوارع. وصل للدائرة التي انضممت إليها مرة تلو الاخرى مجموعات شباب متدينين قوميين، لرفع أعلام إسرائيل، والغناء بصوت عالٍ أغاني يهوديّة. ومع كل ذلك - في لحظة زوال التوتر- حيث بدا أن العديد من المتظاهرين يوافقون بصمت على أن هذا الوقت المناسب للذهاب ل"أروما" في سينما سيتي من أجل استراحة منهجيّة من المقاومة المناهضة للمؤسسة، لقد رأيت مجموعات من الناس من جوانب متضادّة من السياج، يتكلمون، يتناقشون، يسألون الأسئلة، ذكرني هذا الواقع في حقيقة بسيطر- يعلمنا اليأس أن كلشيء محدد من البداية - ومن١ البداية هو ضائع; لكن الواقع، عكس الوعي اليائس، يوفر العديد من المنعطفات غير المتوقعة.


لذلك أدور في هذه الحلقة كل اسبوع، مثل جوارب في الغسّالة: بعد قراءة أوليّة لقانون مظلم ومعتم، بعد اقتحام غير مسؤول لقوات لجيش لجنين أو نابلس الذي يودي بحياة الأبرياء، بعد فعل عنيف في الضفة الغربية مع دعم وحجب من قبل الجيش-


والدم يغلي، والقلب ينكسر، والروح تريد أن تخرج وتجد طريق العودة لتتحد وتواجه هذا الانكماش. هذا التناقض. هذا الانكماش بأن لا تخرج من البيت ولا تجد نفسك مع العديد- وفي كل هوية كانت- لا تجد نفسك فالغالبية الاشكنازيّة، فالغالبية المغايرة، في الغالبية الصهيونية، الغالبية اليهودية، الغالبية الثنائية. في وسط مئات وآلاف المتظاهرين\ات في الشوارع تجدين نفسك وحيدة، شاذّة وخائفة.

ليس سرًّا أن واقعنا موجع ومليء بالدماء. واقعنا مليء بالنضال والحداد- لكنه أيضا مفاجئ، وهذا امرٌ جليل. عندما نتخيّل "الأمل" نميل إلى التفكير عن أمر جميل ومثاليّ مثل منشور الأنتخابات الخاص ببراك اوباما، ولكن للأمل والتفاؤل يوجد صور عديدة. ولدينا الفرصة بأن نلتقي في الملاك غير المتوقع الذي يظهر في أحلك فترات الحياة -فوضى. تعالوا نستقبل الفوضى بأذرعٍ مفتوحة.


تصوي: ميخال شومير

اذا الاعلام تدل على أن السبب الذي أخرج العديد من الناس الة الشوارع هو الحرب على الهويّة - أنا أبحث عن طريقة لإيجاد مكان للهويات المتعددة التي لا تحارب بعضها البعض من أجل الحق في الوجود، أرى كيف تأتي الفرص لمثل هذه المساحات في طريقنا بينما تنثني قوانين الكون. عندما ميزان القوى في الواقع يتغيّر بصورة جذريّة حتى نجد أنفسنا بدون أي خيار الًا أن نسير في طريق لم نسلكه من قبل. نحن في لحظة نادرة في استمراريّة السيولة وعدم اليقين في الزمن-والمكان الاسرائيليّ. وهذا أمرٌ مرعب; كل أسبوع يدفع المزيد المزيد من الأشخاص بصحتّهم\ن، أملاكهم\ن، حريّتهم\ن وحياتهم\ن في التقلبات التغيّير المدمّرة. من داخل هذا الخوف نريد تقوية هويّتنا إلى حدّ التطرف. أن نكون يساريين\ات يكرهون المستوطنين\ات، أن نكون مستوطنون\ات يكرهون العرب، أن نكون عرب يكرهون الصهاينة، أن نكون نسويّات يكرهن الرجال، أن نكون محافظين يكرهون النساء. لكنّي ادعونا لرحلة جديدة موسّعة للأفاق، لأخذ خطوة إلى الوراء، لتمعّن في سخرية الواقع المحيط بنا.


عندما محتجّين ضد النظام يقومون بإستخدام رموزه، عندما يقومون متظاهري اليسار بقلب أعينهم على الشعب الذي يحارب من أجل حقوق الإنسان، عندما يحذر الوزراء الكاهينيون من العواقب الوخيمة للتحريض والخوف من تهديد حياتهم، وعندما يملأ تل أبيبيون جميع الاماكن في القطار المتجه من تل أبيب إلى القدس - ليس لدينا خيار سوى أن نفهم أن كل شيء ممكن.


نكسر الحيطان / تصوي: ميخال شومير

بمقدوري أن أجد شركاء\شريكات مفاجئين\ات، يمكنني تكوين تحالفات جديدة مع أولئك الذين يشاركونني الألم الذي أشعر به حتى عندما تكون هناك فجوات كبيرة بيننا. الشيء الذي يمنحني الأمل داخل هذه الموجة الكبيرة من اليأس هو أنه هناك فرصة لخلق لي ولأحبابي مستقبلًا جديدًا لم نعهده من قبل. خاصّةً عندما يكون الألم شديدًا، خاصّةً عندما تكون المصيبة كبيرة. حتى لو لم نلتقي بعد بالقياديّون الذين سيحلون محل هذه الحكومة،ما زلنا لم نسمع في الاحتجاجات الأصوات التي توقظ فينا الأمل والهوية، كم هو مثير - ليس من المستحيل أن هؤلاء يكونون نحن.







هداس بودسكو

مبدعة، كاتبة وكاتبة سيناريو. صانعة محتوى وإعلانات في استوديو عناني. خرّيجة معهد بسم شفيجل في مجال كتابة السيناريو، وشخص يوزّع المجلات الذي يصنعها للغرباء.




Kommentare


bottom of page